بقلم الدكتورة آسيا يوسف*
نص قصيدة “مُخمَّسات مِن حديثِ النِّعمة” للشاعر نادر أحمد طيبة
-1-
تأهَّبْ فإنَّكَ رهنُ السَّفَرْ
وعُمرُكَ نَهْبٌ لحُكْمِ القَدَر
ودُنياكَ هذي ملاهي الغِيَرْ
تُجاريكَ فيها جيوشُ الضَّرَرْ
وتُخطَفُ روحُكَ خطفَ الشَّرَرْ
-2-
تحصَّنْ بعِلْمٍ تَسُدْ في الأنامْ
وعاشِرْ بحِلْمٍ وصاحِبْ كِرامْ
وحاذِرْ تُداني سبيلَ اللِئامْ
وإيَّاكَ في الصَّحْبِ كُثرَ المَلامْ
فدربُ المَلامةِ دربُ الخطَرْ
-3-
سَنا العِلْمِ فيهِ نجاحُ الخبيرْ
وزَينُ الغنيِّ وعونُ الفقيرْ
فكُنْ بالجدارةِ فيهِ الجديرْ
ففيهِ النَّجاةُ وحُسنُ المصيرْ
إذا ما ادلهمَّت سُدُولُ الكَدَرْ
-4-
ولاتغترِرْ مَرَّةً فالغُرورْ
شَرارٌ يُؤجِّجُ نارَ الشُّرورْ
يُعقِّدُ في العيشِ كُلَّ الأُمورْ
ويعمي القلُوبَ التي في الصُّدورْ
ويُلْهِبُ في الذِّهنِ نارَ الفِكَرْ
-5-
وكُنْ عِندَ صَيدِ المعالي حَريصْ
ولاتبخسَنَّ بذاكَ القنيصْ
وبادِرْ إذا شُمْتَ يوماً بصيصْ
مِنَ الحُسنِ فالأمْرُ جِدَّاً عَوِيصْ
إذا أنتَ أفلسْتَ عِندَ الطَّفَرْ
-6-
تحَلَّى بتوحيدِ ربِّ الوُجودْ
وصنْ ذي المواثيقَ صُنْ ذي العُهُودْ
ولاتقطعَنَّ حُدودَ الحُدودْ
وسِرْ تحتَ خفقِ السنا في البُنودْ
ولا تتْبعَنْ للدنايا أثَرْ
-7-
وصاحِبْ إذا شِئتَ شهْماً نزيهْ
ولاتقترِبْ مِن خبيثٍ سفيهْ
وكُنْ بالمعارفِ فذَّاً نبيهْ
ولاتصطحِبْ أحمقاً أو بليهْ
وصاحِبْ سُراةَ المعالي الغُرًرْ
-8-
وشارِبْ إلهكَ كأسَ الدُّعاءْ
وقُلْ يا إلهي عليكَ الرَّجاءْ
فأنتَ المُقدِّرُ رِزقَ السماءْ
وأنتَ المُدبِّرُ كيفَ تشاءْ
وهذا دُعائي إليكَ اشتهَرْ
-8-
كما شِئتَ ياربُّ أنشأتني
ومِن قبضةِ الطينِ صوّرتني
وفي فَسحةِ الظِّلِّ غازلتني
بلُطفٍ وأنْسٍ فأحييتني
بماء التجلِّي بُعَيدَ الخفَرْ
-9-
حبيبُ البصائِرِ شِبْهُ الغزالْ
نحيلُ قواماً نُحولَ الهِلالْ
كُلُوا مِن لحومي وصونوا الجمالْ
أشارَ ،ودلَّ ،وماسَ ،ومالْ
بِغُنجٍ يُحيِّرُ أيّاً نَظَرْ
-11-
متى حيعلَ الصوتُ فاقبِلْ عليهْ
وسِرْ مِن هُيامِكَ وجداً إليهْ
وبارِكْ مقامَكَ بينَ يديهْ
وبادِرْ بشكواكَ حالاً لديهْ
فإنَّ التناجي يُزيلُ الأَصَرْ
-12-
وعايِدْ حبيبَكَ في كُلِّ عِيدْ
لتحظى بحظٍّ جميلٍ سعيدْ
وِصالُ الأحبَّةِ مجدٌ مجيدْ
وعَهْدُ التلاقي ربيعٌ جديدْ
فبعدَ التلاقي قضاءُ الوًطَرْ
-13-
وعطِّرْ بذِكْرِ الحميَّا المكانْ
وصُفَّ بملْقى الغواني الأوانْ
فما بعدَ تِلْكَ الغواني غوانْ
ومابعدَ تلكَ الأواني أوانْ
ومابعدَ تِلْكَ الحُميَّا سَكَرْ
-14-
وهذي النفيسةُ كنزُ الجدودْ
توثَّقُ بالصومِ فيها العهودْ
وفيها على الصِّدقِ تُوفَى العقودْ
بحَلٍّ يُفكِّكُ كُلَّ القيودْ
عَنِ الصَّيدِ في غالياتٍ الدُّرَرْ
-15-
فدَعْ مَنْ سلاها وكُنْ مُنصِفا
لنفسِكَ واحذَرْ سبيلَ الجفا
فرسمُ المُجافي حِماها عفى
وفاتَتْ خُطاهُ دُروبَ الصَّفا
وزلَّ يُعاني لهيبَ السَّقَرْ
-16-
فمنّي ومنكم مَزيدُ السلامْ
على المُصطفى خيرِ هذي الأنامْ
على آلهِ الطيِّبينَ الكِرامْ
شُموسِ المعالي بدورِ التّمامْ
عدادَ الورى والثَّرى والحجَرْ
ـــــــــ
رمزية القصيدة:
قسّمتُ القصيدة وفق ثلاث مراحلٍ متداخلة وهي: الزهد و الأخلاق و العشق الإلهي و الإنساني و أبدأ بالبحث في الرموز!
رمز السفر و النعمة في العنوان: حديث النعمة ليس عن المال، النعمة هنا نعمة العقل و الدين والحياة، و السفر في المقطع الأول رمزٌ للرحيل من الدنيا إلى الموت؛ فالعمر “نهبٌ لحكم القدر” والدنيا “ملاهي الغير” أيّ المتغيرات وهذه افتتاحية زهدية صوفية.
رمزية العلم و النور مقابل الظلام، سنا العلم: النور، النجاة، زينة الغني وعون الفقير، والعلم هنا ليس أكاديمياً فقط بل معرفة الله والنفس.
سدول الكدر: الظلام، الهم، الغفلة، التقابل هنا متعمد إذا “ادلهمت سدول الكدر” فالعلم هو المصباح.
رمزية الصيد و القنيص: في المقطع الخامس “وكن عند صيد المعالي حريص” نجد إنَّ الصيد رمزٌ للفرص والمكارم و الكمال. و “أفلست عند الظفر” أيّ فاتك القطار، وهذه لغة الفروسية أسقطها الشاعر المبدع على الأخلاق؛ كن صياداً للفضائل.
رمزية الغواني و الحميّا والعشق: نقرأ في المقاطع 9 و 12 و 13 تحولاً لافتاً “حبيب البصائر شبه الغزال” وهذا عشقٌ صوفي فالغزال هو المحبوب الإلهي، و يدل على جمال الحق، “كلوا من لحومي” رمز الفناء في المحبوب.
الحميّا: الخمرة هي رمز الوجد الإلهي في الشعر الصوفي “ما بعد تلك الحُميّا سكرٍ” أي سُكر الروح بالله.
النفيسة كنز الحدود: رمز للشريعة، للصوم، للعهود “بحلّ يفكك كلّ القيود” فالحلال يحرر. فقد جمع الشاعر بين العشق الأرضي كرمزٍ للعشق الإلهي، وهي طريقة ابن الفارض و ابن عربي.
رمزية الصحبة: كرّرها الشاعر ثلاث مرات؛ صاحب كراماً، “لا تصطحب أحمقاً”، “صاحب إذا شئت شهماً”، “والصحبة رمزٌ للطريق”، درب الملامة درب الخطر. و “سُراة المعالي الغرر” ويقصد سادة الفضائل، فالإنسان بمن يصاحب (قل لي من تصاحب أقل لكَ من أنتَ).
الخاتمة: رمزية “السلام على المصطفى” ينتقل المبدع في المقطع 16 نقلة من الذات للجمع بعد كل الوصايا الفردية يختم بالصلاة على النبي وآله “شموس المعالي بدور التّمام” والسلام هو غاية حديث النعمة كلّه.
الملامح الفنية و الأسلوبية:
الطابع الوعظي المباشر: تأهب، تحصن، حاذر، إيّاك، لا تغتر؛ أفعال أمر كثيرة تعطي إيقاعاً خطابياً.
الطباق و المقابلة: علم-كدر، غني-فقير، كريم-لئيم، نور-ظلام، وفاء-جفا، مما يقوي المعنى الأخلاقي.
الجناس: وصن ذي المواثيق صن ذي العهود/ ما بعد تلك الغواني غوانٍ.
اللّغة: لغته فصحى جزلة، أما ألفاظه فصوفية (التجلّي، الوجد، التناجي) ولم تخلُ من بعض العاميّة الموزونة: عويص.
نظام التخميس:
التخميس: هو أن يأتي الشاعر ببيت من قصيدة مشهورة فيجعل صدره و عجزه شطرين ثم يزيد عليه ثلاثة أشطر من عنده لتكوين خمسة أشطر.
خصائص التخميس في حديث النعمة، القافية الموحدة، كلّ المقاطع تنتهي بنفس الروي الراء: السفر، الصّرر، القدر، الخطر، الكدر. وهذا صعب جداً ويعطي وحدة موسيقية.
وحدة الوزن : اعتمد المبدع البحر االمتقارب، وعن المتقارب قال الخليل: “فعولن فعولن فعولن فعول”، حيث الإيقاع المنتظم مما يخدم الطابع الوعظي.
بنية المقطع:
كلّ خمسة أبيات يقدم موضوعاً مستقلاً كأنّها ستة عشر وصية وحكمة منفصلة مترابطة بذات الروي و القافية.
العنوان الأصلي مفقود، لا نعرف البيت الأصل الذي خمّسه الشاعر فهنا التخميس “منشأ”، وليس تخميساً على نصٍّ بعينه، وهذا شائعٌ في الشعر الصوفي و الوعظي. فقد وظّف التخميس كقالبٍ تعليمي وكلّ مقطع يُعدُّ درساً أخلاقياً قائماً بذاته.
الخلاصة:
أجد القصيدة موسوعة أخلاقية مختصرة فقد نجح الشاعر في تحويل ستة عشر موضوعاً كبيراً من الزهد إلى العلم إلى الأخلاق إلى العشق في قالب موسيقي واحدٍ، وقد خدمها التخميس لأنّ كل مقطع صار حكمة محفوظة.
ما أخذته على القصيدة: التزم الشاعر الوزن والقافية، فقد ضحّى بالمعنى أحياناً من أجل اللفظ مثل قوله: “بعد التلاقي قضاء الوطر”، أجدها غامضة بعض الشيء.
وقد صنفتُ القصيدة من شعر الحكمة الصوفية وهي أقرب إلى أسلوب البوصيري في البردة وابن عطاء الله السكندري في الحكم، وهدفه التربية وليسَ الوصف.
ومغزاها: إنّ النعمة الحقيقية ليست في الدنيا بل في العلم والصحبة الصالحة وذكر الله والعشق الطاهر، والدنيا إما سفر أو خطر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الدكتورة آسيا بديع يوسف – باحثة و ناقدة، دكتوراه في النقد الأدبي الحديث، مديرة ملتقى عشتار الثقافي وعضو إتّحاد الأدباء العرب في العراق.
جميع الآراء الواردة في هذه المقالة تعبّر عن رأي كاتبها حصراً
