بقلم الأستاذ سيمون خالد علي*
في الشكل أعلاه، بطاقة بريدية فرنسية من أوائل القرن العشرين لمقام محلي يعرف باسم “قبر شيخ”، وهو بناء مربع تعلوه قبة نصف كروية مع مدخل مقوس بسيط، قائم في بيئة ريفية صخرية تحيط بها الأشجار، وهو نمط معماري شائع في الساحل السوري وجباله ولا سيما في مناطق طرطوس وجبلة واللاذقية، حيث ارتبطت هذه المقامات بتقاليد الزيارة والتدين الشعبي المحلي.
يحمل الوجه المصور عنواناً مطبوعاً بالفرنسية يصف المكان بأنه قبر شيخ علوي، ويتضمن نصاً يقدم توصيفاً تبسيطياً للعقيدة العلوية، ويزعم امتزاجها بالوثنية والإسلام والمسيحية، وينفي وجود أماكن عبادة خاصة، مكتفياً بالإشارة إلى زيارة قبور الشيوخ، وهو توصيف يعكس خطاباً إستعمارياً شائعاً في تلك المرحلة ولا يمكن اعتباره مصدراً علمياً دقيقاً لفهم البنية الدينية أو الاجتماعية.
أما ظهر البطاقة فيحمل مراسلة شخصية مكتوبة بخط اليد باللغة الفرنسية، تتحدث عن زيارة قادمة وفرح بلقاء مرتقب واطمئنان على صحة الأطفال، وتذكر أن تشارلز في حالة ممتازة وسعيد بدراجته النارية ويستغل الطقس الجميل للتنزه، كما تتضمن عنوان المرسلة إليها في شارع غران رو في شالون سور ساون، وهو نص لا علاقة له بمضمون الصورة!
في الواقع، الزيارة هي القلب الحي للتدين الفلاحي الزراعي في الساحل السوري، كما وصفها جاك فيولرس في دراسته عن الفلاحين في سوريا والشرق الأدنى. فالزيارة موضع مقدس قريب من حياة الفلاح اليومية حيث يشعر بالقرب والألفة أكثر مما يشعر به في أماكن العبادة المنظمة.
تقوم الزيارة غالبا من بناء بسيط هو قبة حجرية مبيضة بالجير، تقام في موقع مقدس سابق قد يكون شجرة عظيمة أو نبع ماء أو موضعاً مرتفعاً أو مكاناً عُرفت قداسته منذ أزمنة سحيقة. وفي كثير من الحالات تكون القداسة ناتجة عن اسم جاء لاحقاً ليغطي حضوراً دينياً أقدم، استمر عبر العصور مهما تغيرت الديانات السائدة وهو ما يعكس استمرارية أماكن العبادة في هذه الأرض القديمة.
حول الزيارة تتجمع القبور البسيطة، بلا شواهد ولا أسماء، في دلالة على أن الدفن جاء طلباً للبركة، وتبقى المقبرة جزءاً مألوفاً من الفضاء اليومي للقرية، قريبة من بيوت الأحياء، ممتزجة بحياتهم وحركة الأطفال.
الزيارة نفسها تمثل نقطة من نقاط الحياة الاجتماعية، حيث يجلس كبار السن في ظلها أو في الشمس يتحدثون ويتبادلون الأخبار في هدوء.
عند الزيارة يخاطب الفلاح القديس مباشرة، ويشعر أن العالم الغيبي قد نزل إلى مستواه الإنساني البسيط. تُوجَه الأدعية الشخصية، ويُحرق البخور، وتقدم النذور، ويستغاث بالولي في المصائب الخاصة والعامة، في المرض والحوادث، وفي الكوارث الطبيعية، مثل الجفاف أو الجراد، وباسمه يؤدي الناس الأيمان.
تكتسب الزيارة أهمية خاصة عند النساء، إذ تمثل لهن الملجأ الروحي الأول والأقرب، حيث يجدن العزاء والرجاء بعيداً عن الصيغ الدينية الرسمية.
يؤكد فيولرس أن هذه القداسة هي شكل من أشكال التدين الريفي المرتبط بالأرض والمكان والذاكرة الجماعية. فالزيارة هي دين عملي ومُعاش قبل أن تكون عقيدة مكتوبة، وهي استمرار لأنماط دينية قديمة، حافظت عليها الجبال بفعل العزلة والفقر وغياب السلطة المركزية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الأستاذ سيمون خالد علي – باحث في التاريخ والتراث العلوي وتراث الساحل السوري.
ملاحظة: “سيمون خالد علي” هو اسم مستعار لشخص لا نعرفه، ولم يقبل التعريف باسمه الحقيقي، ينشر مقالاته وأبحاثه في مواقع التواصل الاجتماعي. تواصلنا معه على مواقع التواصل الاجتماعي وقدم نفسه كـ “باحث في التاريخ والتراث العلوي وتراث الساحل السوري”. نحن لا نتحمل أي مسؤوليّة قانونيّة عن انتحاله للصفة والاسم. قمنا بنسخ هذه المقالة من صفحته على الفيسبوك.
جميع الآراء الواردة في هذه المقالة تعبّر عن رأي كاتبها حصراً
