Skip to content
  • TG
  • من نحن
  • شروط النشر
  • المجالات البحثية
  • شروط الاستخدام
العلوية-النصيرية

العلوية-النصيرية

دراسات وأبحاث وتحليل

يمكنكم مراسلتنا على البريد الإلكتروني
ams7@ams7.org

  • القضية العلوية
  • التاريخ العلوي
  • اللاهوت العلوي
  • الفلسفة العلوية
  • الأدب العلوي
  • الآثار العلوية
  • الفلكلور العلوي
  • أعلام العلويين
  • منشورات

الحالة العلوية منذ القرن التاسع عشر حتى قدوم الانتداب الفرنسي إلى الساحل السوري

Posted on 17.11.202517.11.2025 أُبيّ حسن By أُبيّ حسن
المشاهدات: 392

بقلم الأستاذ أُبيّ حسن*

يسلط الباحث د. اياس حسن الضوء على ما أسمح لنفسي تسميتها -مجازاً- بـ “الحالة العلوية” منذ القرن التاسع عشر حتى قدوم الانتداب الفرنسي إلى الساحل السوري عام 1918م، وذلك في كتاب تجاوزت صفحاته 250 صفحة من القطع المتوسط تحت عنوان “الحركة الإصلاحية عند العلويين” وبعنوان فرعي: “من خلال قراءة تراجم شيوخهم” صادر عن “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات”.
طبيعي أن يأتي البحث الرصين للدكتور إياس، من خلال قراءته لتراجم بعض شيوخ العلويين في الفترة التي يرصدها، وآية ذلك أن الشيوخ كانوا فعلاً هم المرجعية الأساسية في المجتمع العلوي، إذ هم النخبة المثقفة فيه، فهم الأطباء وهم وجهاء المجتمع وكلمتهم مسموعة في حل النزاعات والخلافات التي قد تحدث هنا أو هناك في بيئة المجتمع المعني، كقوله “نجد في استعراض بعض السّير مدى النفوذ الذي كان يتمتع به بعض الشيوخ، فيذكر عن الشيخ علي الخيّر (ت. 1223هـ/1808م)، مثلاً، أنه كلما جرت وقائع بين العشائر كان يكشف عن رأسه تحت ضرب الرصاص بين العشيرتين ويردهما عن بعضهما، ونظراً لخاطره وخوف الخطأ بحقه، تكفّ الجماهير عن بعضها” ص54، وكذلك الحال مع الشيخ إبراهيم مرهج الذي قال فيه معاصروه: “له اليد الطولى بالإصلاح بين الخصماء”، وهو ما يؤكدّه د. علي سليمان الأحمد في كتابه عن والده، والمعنوّن بـ”الإمام الشيخ سليمان الأحمد” عندما يقول: إن هذا العصر تفرد به مشايخ الدين بالزهد والعبادة وترك الدنيا والإقبال على الآخرة.. وبذلك حفظوا على العامّة عقائدها، وضُبطت أمور العشائر وقلّ شرّها بوساطتهم، لحسن اعتقاد الأمة بهم”، وهذا ما يوضحه الكتاب بشكل جلي ضمن سياقه الطبيعي دون أن يتجاهل سيرورة تطور المجتمع قي ظل شروط أكثر من قاسية، لتتطور معها آلياً نظرة الشيوخ إلى محيطهم والآخر المختلف الذي قد يكون هو هنا -وفق ما نرى- الدولة (السلطة العثمانية أو من ينوب عنها)، والنظر في هويتهم -بفعل دخول المجلّات والتواصل مع الآخر- التي لم يتنكروا يوماً بانتمائها إلى العروبة ولا باعتناقها للإسلام وإن اختلفوا مذهباً وطريقة عن الإسلام الرسمي والسائد في آن، بيد أن الاخر المختلف (السلطة ومشتقاتها) هو من ساهم في حشرهم في زوايا الإهمال والنسيان، ليخيّرهم بين اثنتين: أن يكونوا على صورته ومثاله أو أن لا يكونوا أبداً، وهذا كلّه ما لا يتطرق إليه البحث، بالرغم من رصانته، لا من قريب ولا من بعيد، مع معرفتنا كمتابعين بأن العلويين كانوا أكثرية معتبرة في معظم أرجاء سوريا الحالية (حلب والرقة وبعض دير الزور وحمص وبعض حماه) ولبنان (كسروان والضنية وطرابلس الشام) وكانوا من سكّان المدن إلى أن أتى الاحتلال العثماني، فبدأ الهولوكوست الحقيقي بحقهم والذي لم تنته فصوله بعد.
يرصد الباحث التقسيمات الاجتماعية في المجتمع العلوي، وهي تقسيمات فرضتها طبيعة الحياة الاجتماعية حينها، فيرى أنها كانت مكوّنة من فئة الشيوخ وفئة المقدمين وطبقة العوام وعملياً هي الشريحة الأكبر والأوسع؛ وستكون الرئاسة الزمكانية بداية للشيوخ، لكن بحكم حركة تطور المجتمع والتاريخ سيتعزز دور فئة المقدمين على الشيوخ مع الاحتفاظ باحترام المقدمين لهم. ويُذكر هنا من المقدمين -وكان أغناهم وأشهرهم- المقدم أحمد بن مخلوف الذي قام ببناء مقام الشيخ أحمد قرفيص في عام 1100هـ (1688م)، “وقُتل قبل أن يكمله، فأكمله ابنه مهنا” ص 57، ويقال أن مخلوف الأب بنى نحو مائتي قبة مزار. وفي غير مكان يذكر البحث ملاحظة دقيقة مفادها: إن مزارات الأولياء عادة ما تكون مقرونة بمساجد، وهذه حقيقة يلحظها كل من يقم بزيارة لأحد مزارات العلويين وأتت كتعويض عن بناء جامع الذي عادة ما يكون أكبر وأضخم، وعملياً يوضح الكاتب أسباب افتقار جبال العلويين لبناء جوامع (سابقاً) ليس دونها عدم الاستقرار، ونضيف إلى ما ذكره: الفقر المدقع والخوف الدائم الذي يفضي لعدم استقرار.
وفي سياق الحديث عن المقامات والمزارات، يفيد الكاتب أن الباحث الفلسطيني توفيق كنعان (1882-1946) سيجد عدداً كبيراً منها في فلسطين، ذكرها في كتابه “الأولياء والمزارات الإسلامية في فلسطين”، واللافت أيضاً أن المزارات في فلسطين مرفق بها أيضاً مساجد.
كان للمزارات، وعطفاً “التشريفات” وهي تذكار مادي ملموس دون أن يحتوي الضريح فيها على رفاة، بحسب الباحث وظائف عدة: دينية واقتصادية واجتماعية. ويؤكد الباحث -في السياق ذاته- أن المزارات، عمّت الساحل الكنعاني بمختلف طوائفه.
التقسيمات الاجتماعية الفئوية سابقة الذكر، سيختفي بعضها كـ “المقدمين” ويبهت حضور بعضها الآخر كـ “الشيوخ” لصالح فئة المثقفين الذين كانوا أبناء وأحفاد فئتي الشيوخ والمقدمين باعتبار أنهما الفئتان اللتان بمقدورهما تعليم أبنائها، وصولاً لانخراط الأبناء في الحياة السياسية والاجتماعية ووعيهم أكثر لهويتهم بمعنييها العربي والإسلامي، وكان لدخول المجلّات العربية (وربما انعدام تبنيهم من قبل دولة عظمى، كما حصل مع المسيحيين والموحدين الدروز في ذلك الزمن- ملاحظة الكاتب) دوره المحوري في تأكيدهم على هويتهم بشقيها العربي والإسلامي، ونسجل هنا كمراقبين مفارقة، ألا وهي أن أحفاد أولئك الأبناء الذين ترجموا وعيهم الجديد بهويتهم من خلال إصرار معظمهم على الاتحاد مع دمشق -بالدافعين العربي والإسلامي- لتتشكّل دولة سوريا التي نعرفها حتى اللحظة، بات وعيهم وتحت ضغط الأحداث في الراهن السوري، بهويتهم عكسياً، طبعاً وأسباب ذلك مفهومة، والمدهش أنها، وفق ما نلحظ، هي الأسباب ذاتها التي دفعت بأجدادهم للانطواء في الجبال والعزلة فيها مع الفارق المعرفي والثقافي والبشري بين الزمنين، وهذه مفارقة يستشفها القارئ المعني وإن كانت ليست ضمن الحقل الزمني للكتاب وبالآتي طبيعي أن لا يتطرق إليها.
في طيات الكتاب نلمس الفرق جلياً بين شيوخ العلويين أيام زمان، من خلال زهدهم وتقواهم وخوفهم من أكل الحرام، أو بلغة واضع الكتاب “محاربة الفساد وعفة النفس، والإبقاء على مسافة واحدة تبعد رجل الدين عن الحاكم وتصون هيبته”، نجد ذلك في شهادة الرئيس السوري الأسبق الشيخ هاشم الأتاسي بالشيخ علي سلمان (والد الشيخ صالح العلي)، وبين نسبة كبيرة من الشيوخ الذين عرفناهم عن قرب أو سمعنا عنهم، خاصة في عهد الأسدين الأب والابن (وهي مفارقة يلمسها القارئ وإن لم يتطرق إليها البحث)، بيد أنّه من الملاحظات الهامة التي يوردها الكاتب، مُحقاً، أن صفات شيوخ القرن التاسع عشر كانت: الأخلاق والكرم، والصفة الأخيرة يؤكدها ما ذكره “صموئيل لايد” خلال إقامته في قرية بحمرة (جوار القرداحة)، وما أتى في كتاب “ولاية بيروت” بحسب وجهة نظر واضعيه.
شيوخ دعاة للإصلاح
طبيعي أن يكون حال سكّان جبال العلويين مزرياً، ولم يكونوا استثناء بالتخلّف، فالآثار السلبية للاحتلال العثماني لم تكن حكراً عليهم، بدليل أننا -كمتابعين- بالكاد نجد اسم علم بارز في الشعر أو الأدب والفكر.. الخ، في القرون الثلاثة الأولى من الحكم العثماني في عموم البلاد العربية التي احتلوها، وعندما دخلت الطابعة إلى بلاد الشام (أوّل مطبعة بالأحرف العربية دخلت كانت لحلب عام 1706م- ملاحظة الكاتب) ومصر (دخلتها المطبعة عام 1798م، ولم تبدأ عملها رسمياً حتى 1821م وكانت مطبعة بولاق- ملاحظة الكاتب)، وانتشار طباعة الكتب والمجلات، ووفرتها النسبية منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بدأ بعض شيوخ العلويين المتنورين -مثالاً لاحصراً- يعقوب الحسن وإبراهيم عبد اللطيف وسليمان الأحمد، اقتناء الكتب والمواظبة على الاشتراك بالمجلات الدسمة بعلوم واكتشافات هاتيك الزمن، ليشعر معها من نعني بواجب النهضة والإصلاح، وهذا لا يعني أنهم لم يلاقوا صعوبة في رسالتهم الإصلاحية، فعلى نقيض شيوخ منتصف القرن التاسع عشر، واجه شيوخ دعاة التجديد والإصلاح في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين صعوبات يفسرها الشيخ عبد الرحمن الخيّر (1904-1986م) بقوله: “إن الجيل الأسبق من شيوخ الإصلاح لم يلق لا في الشمال ولا في الجنوب أقل امتهان للكرامة بسبب تجديدهم”، وتفسيره لذلك أن نسبة المتعلمين، في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، قد زادت، لكن ليس بالضرورة أن يكون المتعلمون واعين لمعنى التجديد وأهميته، ليطلق عليهم “أدعياء العلم” ص88.
وكانت المطبوعات “الهلال” و “المقتطف” ولاحقاً “العرفان”.. الخ، التي بدأت تنتشر، هي الجسر الرئيس الذي عبرته العلوم الحديثة لشيوخ الإصلاح كـ “الشيخ سليمان الأحمد، ويعقوب الحسن (1870-1926)، وأحمد محمد حيدر (1980-1975)، ويونس حمدان (الطواحين) (1884-1975)” وجميعهم وضعوا كتباً بالاستناد إلى المعطيات العلمية الحديثة (ص 91)، فمعروف أن الشيخ يعقوب الحسن عندما وضع كتاب “تذكرة الحياة الروحية في وحدة الحقائق الدينية” عام 1926 استفاد من المجلات المصرية، ومنها مجلة المقتطف التي كانت تنقل آخر الإنجازات العلمية في مجال العلوم الحديثة. وشخصياً، نعتقد أن الكاتب لم يبالغ عندما شبّه من ذكرنا من أولئك الشيوخ بمفكري الأنوار في أوروبا من خلال معاينتهم لمعتقدات العالم بأسره ووصفها، و”لم يكن هدفهم من وراء ذلك رفض الأديان بل هدي الناس الى موقف يتسّم بالتسامح.. الخ” وفق لغة تودوروف، ص 95.
في سياق مواز، يسهب الكتاب في الحديث عن المدارس المجانية التي قام بفتحها الشيوخ، على نفقتهم الخاصة، موفرين المنامة والمأكل للطلاب من قبيل مدرسة “بيت الشيخ يونس” التي أسسها الشيخ ياسين يونس، ومدرسة العنازة (ريف بانياس).. الخ.
لاشك أن موقف الشيوخ من التعليم، كان أخلاقياً وحضارياً في آن، وكان مهماً ما ذكره الباحث حول هذه المسألة، تحت عنوان “التعليم “لوجه الله” واستضافة طلاب العلم، ليؤكد ان المعلمين كانوا يؤدون مهنة التعليم من دون أجر، لقناعتهم أنه واجب عليهم، كما هو حق لطالبه، فقد كتب علي عباس (بحوزة) عن الشيخ أحمد سلمان الخطيب “الملاجة” (1851-1919م) أنه “جعل من سكنه مدرسة لطلبة العلم، كما أنه وقفه للإنفاق عليهم، وقد أخذ عنه أكثر شباب عصره، علم اللغة وآدابها، وكنتُ ممن أخذ عنه” ص 112. ومن قبيل ذلك المدرسة التي أقامها الشيخ حسين حرفوش، وهو في عمر 25 عاماً، في قرية “برمانة المشايخ” حيث درّس فيها مجاناً، كما يمكن أن نضيف على ماذكره المؤلّف إن الشيخ عبد الرحمن الخيّر أقام المدرسة “التهذيبية” في القرية ذاتها عام 1927م لكنها لن تستمر أكثر من سنتين.
بيد إن أوّل مدرسة مجانية كانت في “بيت الشيخ يونس” من أعمال صافيتا، وينقل الباحث عن مؤلف “خير الصنيعة” قوله: “إن للشيخ يونس وآله فضلاً على الشعب، إذ كانوا أول من تفضّلوا بإحياء العلوم الأدبية في العلويين.. فقد بادر الشيخ يونس ياسين وأولاده إلى فتح مدرسة في قريتهم (بيت الشيخ يونس)، أواسط القرن التاسع عشر، وأعلنوا لطلاب العلوم أنهم مستعدون أن يوسعوا على كل طالب علم يقّدم إليهم، فجاءوا بالمرحوم الشيخ علي حسن القاضي، العالم الشهير، وأسكنوه عندهم، وتكفلوا بواجباته العائلية، وفتحوا بيتاً عادياً بمثابة مدرسة علمية للشيخ المذكور.. وكان الطالب الذي يقرأ في بيت الشيخ يونس تجويد القرآن كالطالب اللغوي في هذا الوقت (مطلع القرن العشرين)، لجهل اللغة في ذلك الزمان، فيقال فلان قرأ في صافيتا”.. ويذكر أن الشيخ حسن عمار حسن (برمانة المشايخ)، درس في تلك المدرسة عام 1881م وعاصر معلمها علي القاضي عاماً واحداً قبيل وفاة الأخير، ما يجعل الباحث يستنتج أن تلك المدرسة استمرت أربعين عاماً، وقد كانت وفق رأي الباحث سابقة زمنياً على المدارس التبشيرية المسيحية الغربية!
ومما يلفت الانتباه، هو وعي الأهالي لأهمية التعليم، فكانوا في بعض القرى يجمعون المال، كي يبنوا مدرسة تعطي علوم العصر، لا التربية الدينية فحسب. وكانت هذه الجهود بداية الخروج من العشيرة والطائفة، إلى المجتمع بحسب رأي المؤلّف الذي يذكر نقلاً عن “خير الصنيعة” للشيخ حسين حرفوش نماذج تستحق الاحترام، كالمشقة التي كان يتكبدها (الشيخ) إبراهيم عبد اللطيف في ذهابه لتلقي علوم “النحو والمنطق والفلسفة على أبي حنا (يوحنا) سعادة اللبناني الذي كان عالماً ومُعلّماً في برج صافيتا، ولابأس أن نضيف هنا إن الشيخ إبراهيم ذاته سيدرس الرياضيات على يد جبر ضومط أحد أوائل من درّسوا في الجامعة الأمريكية (الكلية الإنجيلية) في بيروت كما يذكر منير صقر في كتابه “تاريخ صافيتا”.
ومن الأمور التي تستوقف القارئ ما يذكره المؤلّف عن موقف الشيخ سليمان الأحمد من مجلة “العرفان” عندما ساهم، مع غيره من شيعة العراق، بإنقاذها من الإغلاق، ففي ختام المجلد الرابع من عام 1912م أعلن صاحبها أحمد عارف الزين إنه سيضطر لإيقاف المجلة إن لم تُدفع بدلات المشتركين، فيتكفّل الشيخ الأحمد بإيجاد مائتي مشترك جديد بـ “العرفان”، في جبال الساحل السوري أو جبال الأنصارية، وفق ما يذكر صاحب العرفان، ص 153. وغني عن البيان أن لموقف الشيخ سليمان الأحمد دلالته البالغة فيما يخصّ دعمه للعلم وتشجيعه على الثقافة.
الموقف من التعليم وحقوق المرأة
يخصص الكاتب بحثاً للموقف من حقوق المرأة وتشجيعها على التعليم، ذاكراً شخصيات أنثوية منهن باتت معروفات كفتاة غسان، وهو الاسم الأدبي للسيدة فاطمة سليمان الأحمد (1908-1985) وشقيقاتها كالمعلمة آمنة و الدكتورة جمانة كأول طبيبة علوية، وأخريات لم يكن جيلي يسمع بهن من قبل من قبيل: ظريفة عبد الحميد، ومارية عمران، وخديجة الحامد، ورديحة حبيب، ونديمة مهنا.. الخ، ذاكراً أن مجلة “النهضة” (1937) في طرطوس خصصت عنواناً فيها تحت اسم “الحقل النسائي”، ومن المؤكد ان ملاحظة الكاتب وجيهة، من حيث رغبة أولئك السيدات في الكتابة وبمباركة الأهل أيضاً، ولتلك الرغبة مقرونة بالمباركة الأهلية دلالتهما العميقة، لكن الباحث لا يذكر فيما إذا كان ثمة كاتبات علويّات قد كتبن في أول جريدة علوية صدرت في اللاذقية تحت اسم “الصدى العلوي” عام 1921م لصاحبها عابد جمال الدين، لاسيّما أنها بقيت تصدر ثلاث سنوات، أو مجلة “العلوي” عام 1923، وباللغتين العربية والفرنسية ومن ثماني صفحات، يشرف على القسم العربي عبد الكريم الخيّر، وعلى القسم الفرنسي برهان الدين مصري زاده (ص 154) وغيرها من دوريات، قوبلت بتشجيع من رجال الدين العلويين والسنّة على حد سواء.
حقوق المرأة لم تقف فقط على التعليم والكتابة، بل حتى كان يؤخذ رأيهن في مسائل الزواج أحياناً (وربما غالباً) من قبيل استشارة الشيخ سلمان المزارع (1805-1876م) لبناته في مسألة زواجهن، وفق ما يذكر المؤلّف. وهذا لاينفي وقوع حالات كثيرة، كالحقيقة التي يذكرها الباحث، إذ أن بعض “الأسر الفقيرة كانت تتعامل مع بناتها كمصدر للدخل من وذلك برفع قيمة المهر الذي يأخذه أهل العروس” ص 105، وهذه بدعة حاربها الشيوخ مثل الشيخ محسن حرفوش (1882-1936) وهو موقف متقدّم منهم -أي للشيوخ- في احترام حقوق المرأة.. هنا نضيف، من متابعاتنا الشخصية، أن كثرة من نساء هاتيك الزمن حُرمن فعلاً من الميراث، لا تقليلاً من قيمة المرأة، بل لقلّة الحيلة وندرة الأرض الصالحة للزراعة، كما كانت تكثر حالات زواج لنساء في مناطق بعيدة جغرافياً عن مسقط رؤوسهن قد تصل أحياناً المائة كيلو متر، ومن غير الطبيعي أن تجتاز هذه الوريثة أو تلك كل هذه المسافة كي تعود لقريتها بغية زراعة نصف دونم أرض هو الميراث المفترض في معظم الحالات (نفترضه هكذا لمعرفتنا بواقع الحال حينها)، بما يلزم تلك الزراعة من متابعة شبه يومية! ويمكن أن نضيف: أن ضيق الحال -هاتيك الزمن- أفرز مبدأً مؤقتاً متفق عليه دون إعلان أو إفصاح، يتماشى وظروف تلك الأيام يقضي بعدم توريث المرأة، إذ كل مقبلة على الزواج يتكفّل بها زوجها، وهكذا تستقم المعادلة نسبياً وفق الظروف القاهرة التي كانت سائدة حينها.
وقبل أن نطوي هذه الصفحة، نشير إلى أن المؤلّف تحدث عن ظاهرة مؤلمة، ألّا وهي شراء النساء (العلويّات) إبّان حملة إبراهيم باشا على سوريا (ومنها الساحل 1834م)، وعندما علم والده محمد علي باشا والي مصر بذلك، سرعان ما أوعز لابنه بردّ النساء وإعدام القائمين بهذه الأفعال، أيّاً كانت صفتهم، حال ثبت ذلك عليهم.
الحثّ على العمل
يتحدث الكتاب عن عمل الشيوخ في الزراعة وبعض الاعمال اليدوية بغية تأمين لقمة العيش وحثّهم المحيط المعني على العمل، من قبيل عمل الشيخ حسين الأحمد والشيخ علي عباس بحوزة ومن قبلهما الشيخ علي الناعم (1765-1852) “دير ماما” ريف مصياف الذي عمل بنّاءً وعمل في الصياغة بغرض الكسب المادي وتشجيع الأمة على تعلّم وممارسة الصناعات، وكذلك الشيخ خليل النملي.. الخ، وقد ميّز أولئك الشيوخ بين “المشيخة” كرسالة، وبين العمل كوسيلة للعيش وفق تعبير الكاتب الذي يرى أن دعوة الشيخ علي الناعم للعمل سابقة لدعوة الشيخ طاهر الجزائري (ص 101) في دمشق، فالشيخ طاهر من مواليد 1852م، وهو العام الذي توفى فيه الشيخ علي الناعم.
هذا، وإن كان الكتاب يعتمد على السيرة الجماعية، باحثاً في أنماط العلاقات والبنى ضمن الطائفة، ومسجلاً ملاحظة هامة ألا وهي خلو الطائفة من التاريخ الكتابي قبل القرن التاسع عشر قبالة اعتمادها على التاريخ الشفهي، نقول: وإن كانت هذه الملاحظة دقيقة إلى حد كبير بيد أننا نجد شذرات تاريخية عن العلويين (النصيريين) وأماكن تواجدهم في سوريا ولبنان، في بعض الكتب كرحلة ابن بطوطة (1304-1378م) ومن قبله رحلة ابن جبير (1145-1217م)، وابن طولون (توفي 1533م)، وحتى البديري الحلاق.. الخ، وجميعهم يؤكّد تواجدهم في دمشق وغيرها من مدن سوريّة.. وكذلك الأمر عبر بعض النثريات والقصائد لبعض شيوخ العلويين كتغريبة الشيخ علي الصويري (1218-1294م) وهو من حلب هاجر إلى جبال الساحل السوري وله مراسلاته لأخوانه في حلب ومعرة النعمان وسرمين.. الخ، وبهذا المعنى نعتقد أن قول الباحث أن أول نثر كُتب عن العلويين هو ما وضعه الشيخ علي حسن القاضي عن شيوخ عصره ليس دقيقاً، اللهم إلّا حال كان يقصد القرن التاسع عشر حصراً. ويشير الكاتب الى القصيدة التي أرسلها الشيخان سلمان بيصين (1733-1807م) وخليل النميلي (1731-1811م) مع “الشيخ إبراهيم الجعفر التتنجي من إخوان حماه إلى بلاد سنجار، ليحقق ويدقّق عن الأمير حسن” (ص44) المكزون السنجاري، منوهاً لأهمية وعي ذينك الشيخين لأهمية السؤال عن شخصية المكزون في ذلك الزمن المبكّر نسبياً، وهو سؤال متطور في السياق الزمكاني الذي أتى فيه.
أشار الباحث، في معرض كتابه إلى غياب المرجعية الدينية عند هذه الطائفة، ولاشك أن حالة العزلة التي فرضت عليهم دفعت بعض المستشرقين الأوروبيين إلى وصف الطائفة بـ “اللغز الآسيوي كما يذكر الكاتب نقلاً عن صموئيل لايد”.
نختم: إنّه من الصعب الإحاطة بكل ما حفل به الكتاب، بيد أننا نستنتج أن أحد أهم الأسباب التي فرضت على العلويين عزلتهم هو الاحتلال العثماني، وأن أحد أهم الأسباب التي دفعت بهم للتمسّك بالعروبة -علماً أن غالبية العلويين من عشائر عربية- في بواكير يقظتهم -شأنهم شأن بقية أقطار المشرق العربي- هو أيضاً الاحتلال العثماني، ليبقى السؤال معلّقاً ومشروعاً: العلويون الآن، إلى أين؟ وهل لديهم راهناً قادة إصلاح حقيقيين كأسلافهم؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الأستاذ أُبيّ حسن – كاتب صحفي و باحث.

جميع الآراء الواردة في هذه المقالة تعبّر عن رأي كاتبها حصراً

التاريخ العلوي Tags:أُبيّ حسن, العلوية, العلوية-النصيرية, العلويون, النصيرية, النصيريون, سورية

تصفّح المقالات

Previous Post: العلوية في سياقها الحضاري.. قراءة في طبقاتها الشرقية وتكوينها المعرفي بين الجذور القديمة والتأويلات الحديثة
Next Post: تقرير حول إنقاذ لاجئين علويين قبالة سواحل موغلا، تركيا (15 أكتوبر – 5 نوفمبر 2025 )

More Related Articles

مجازر العثمانيين بحق العلويين التاريخ العلوي

آخر المقالات

  • الآخر في فكر الإمام علي بن أبي طالب: قراءة علويّة تنويرية في ضوء نظريات تحليل الخطاب
  • مجازر العثمانيين بحق العلويين
  • تقرير حول إنقاذ لاجئين علويين قبالة سواحل موغلا، تركيا (15 أكتوبر – 5 نوفمبر 2025 )
  • الحالة العلوية منذ القرن التاسع عشر حتى قدوم الانتداب الفرنسي إلى الساحل السوري
  • العلوية في سياقها الحضاري.. قراءة في طبقاتها الشرقية وتكوينها المعرفي بين الجذور القديمة والتأويلات الحديثة

أرشيف

  • نوفمبر 2025

تصنيفات

  • أعلام العلويين
  • التاريخ العلوي
  • الفلسفة العلوية
  • الفلكلور العلوي
  • القضية العلوية

دراسات وأبحاث حول العلوية-النصيرية
جميع الحقوق محفوظة 2025

Powered by PressBook Blog WordPress theme