بقلم الدكتورة هيلين عباس*
تتعدد المقاربات الحديثة للعلوية، وتتباين في محاولاتها تفسير هذا التراث العرفاني المعقّد عبر زوايا أحادية قد تبدو جذابة ظاهرياً لكنها لا تُنصف تاريخ الديانة ولا عمقها. فهناك من يردّ العلوية إلى إطار شيعي صرف، ومن يلحقها بالأفلاطونية المحدثة مباشرة، ومن يحاول قراءتها بوصفها بقايا ثقافة زراعية محضة. غير أنّ هذه المقاربات، حين تُعرض بعيداً عن سياقها الأوسع، تميل إلى التبسيط أكثر مما تقدّم فهماً حقيقياً لهذا البناء الروحي متعدّد الطبقات.
أول ما ينبغي الإشارة إليه أنّ الربط الحرفي بين العلوية وبين الأفلاطونية المحدثة لا يعكس حقيقة المسار التاريخي. فالأفلاطونية المحدثة نفسها لم تكن مشروعاً يونانياً خالصاً، بل شكّلت نقطة التقاءٍ كبرى بين حكمة شرق المتوسط—بتراثه الرافديني والأناضولي والسوري والمصري—وبين الفكر الهلليني. كثير من المفاهيم التي أعاد أفلوطين ونومينيوس صياغتها كانت حاضرة في الشرق قبل أن تتبلور فلسفياً في الإسكندرية وروما، ولذلك فإن التشابه بين العرفانية العلوية وبعض المقولات الأفلوطينية لا يكفي لجعل العلوية امتداداً يونانياً مباشراً.
بل يمكن القول إنّ اليونانيين أنفسهم كانوا جزءاً من فضاء حضاري أوسع سبقهم في تطوير الرؤى الماورائية والطقسية، واستقوا منه الكثير.
وإلى جانب هذا البعد الشرقي العميق، نجد تأثيرات أخرى ذات حضور واضح في البنية التأويلية للعلوية، وعلى رأسها الزرادشتية، بما تضمّه من مركزية النور وتطهير النفس وتدرّج العوالم. كما أن ثقافة حَرّان، بما حملته من هرمسية وصابئية وفلكيات رمزية، وفّرت جسراً أساسياً لانتقال المعارف القديمة إلى المشرق الإسلامي، وأسهمت في تشكّل الحقل الباطني الذي تطوّرت فيه العديد من المدارس الروحية في سوريا والرافدين، ومنها العلوية بطبيعة الحال.
هذه الخلفيات المتراكمة هي التي تفسّر توليفية العلوية أكثر بكثير مما تفسّره أي قراءة أحادية.
وفي هذا السياق، من المفيد التمييز بين العرفانية العلوية وبين الغنوصية الكلاسيكية التي شاع ربطها بكل رؤية باطنية. فالغنوصيات القديمة—الفالنتينية أو المانوية مثلاً—تقوم على موقف سلبي من العالم المادي الذي يُفهم بوصفه سقوطاً أو خطأً كونيّاً، وتُقدّم المادة كسجن يجب الهرب منه عبر المعرفة الداخلية. هذا الموقف لا ينسجم مع الرؤية العلوية، لأنّ العلوية لا تنظر إلى الخلق باعتباره خطيئة أو عيباً في الوجود، بل باعتباره فعلاً من أفعال التلطّف الإلهي، المجال الذي يُعرَف فيه النور وتختبر فيه النفس طريقها إلى المعنى.
فالعالم المادي في الوعي العلوي ليس سجناً، بل ساحة تجربة ومسار عودة، وهو جزء من الحكمة الكونية وليس نقيضاً لها. وهذا الفارق الجوهري يجعل العلوية أقرب إلى العرفانيات التوحيدية منها إلى الغنوصيات العدمية.
ولا تكتمل أي مقاربة للعلوية من دون التوقف عند المقام المركزي للإمام علي في بنيتها الروحية. فالعلوية لا تتعامل مع علي بوصفه شخصية تاريخية فحسب، ولا تختزله في سرديات شعبية، بل تفهمه كمركز معرفي–وجودي تتجلّى عنده العلاقة بين التوحيد والعقل والنور. إنّ محورية هذا المقام هي التي تمنح تماسكاً لطبقات الديانة، وتمنح معانيها اتساقها الداخلي. ومن هنا، فإنّ تقديم العلوية بوصفها اقتباساً يونانياً، أو ردّها إلى إطار واحد، أو قراءتها بوصفها ظاهرة اجتماعية محضة، يؤدي جميعه إلى تفكيك نسيجها الروحي وإغفال أهم عناصر تكوينها.
وعليه، تتبدّى العلوية في صورتها الأكثر اتساقاً ديانةً توحيدية–عرفانية تجلوية تشكّلت ضمن فضاء شرق المتوسط، وتفاعلت فيه التأثيرات الرافدينية والأناضولية والسريانية والفارسية والهرمسية مع تيارات العرفان الإسلامي ومقولاته الكبرى. هذا كلّه، إلى جانب المركزية الروحية لعليّ، هو ما يمنح العلوية شخصيتها الخاصة ويضعها في سياقها الحقيقي، لا ضمن إطار واحد ضيق، ولا كاستثناء تاريخي.
وقد تعكس بعض القراءات الحديثة التي تميل إلى التأويل الفردي أو الانفصال عن الجذور توتراً هوياتياً مفهوماً، يمرّ به كثيرون عند إعادة النظر في تراث معقّد ومتعدّد طبقات كهذا التراث. كما قد تعبّر النزعة إلى بناء رؤية معرفية ذاتية عن رغبة مشروعة في إعادة التأويل، لكنها تبقى بحاجة إلى قدر من الاتساع يسمح برؤية هذا الإرث في شموله، لا في حدود التجربة الفردية وحدها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الدكتورة هيلين عباس – باحثة وأكاديمية متخصصة في تاريخ الشرق الأدنى القديم، حاصلة على إجازة في التاريخ ودكتوراه من جامعة روما “لا سابينزا” في مجال الدراسات الفيلولوجية والأدبية للشرق الأدنى القديم وإيران قبل الإسلام.
جميع الآراء الواردة في هذه المقالة تعبّر عن رأي كاتبها حصراً
